علي الصافي : سينما الذاكرة وألق التجريب التاريخي

بقلم: أشرف الحساني

تُشكّل وثائقيات المخرج المغربي علي الصافي (1963) حالة فنيّة نادرة داخل سينما مغاربيّة آخذة في الترفيه والابتذال على حساب قضايا سينمائية مركزية تشغل وجدان ومُتخيّل الاجتماع العربي الآن. ففي الوقت، الذي يُصبح فيه الإخراج السينمائيّ المغربي عملية سهلة، لا تحتاج سوى كتابة سيناريو مُرتبك وإيجاد وجوه فنيّة تُجسّد أدواراً معيّنة، يستغرق العمل الوثائقي الأخير “قبل زحف الظلام”(2020) لعلي الصافي حوالي 10 سنوات من التفكير والكتابة والتوثيق والتخييل، حتى يغدو العمل جاهزاً للعرض والمُشاهدة والنقاش. ففي هذه المدّة، يشهد الفيلم الوثائقي عدّة تقلبات فنيّة وجماليّة، لا ترتبط بهزالة السيناريو أو صعوبة عثور على مؤسّسة إنتاج تتحمّل الشروط المادية والأبعاد السياسية والاجتماعية، التي يُدافع عنها صاحب النصّ في مشروعه السينمائيّ، بل إنّ المُشكل في هذه الأفلام الوثائقية، التي تأخذ كلّ هذه المدّة في الإنجاز، إلى كون الزمن يلعب دوراً كبيراً في تغيير الأمزجة ونظر المخرج إلى صور وقصص وحكايات وقضايا شتى من الاجتماع الإنساني. فالزمن بحكم زئبقيّته، يُساهم في تغيير أنساق التفكير وأنماط الإنتاج وقنواتها، هذا العامل يُسمّيه الكُتّاب بمرحلة “الاختمار” التي تُصبح فيها الذات أكثر جدّة والتصاقاً بموضوعاتها الفنيّة، رغم أنّ أمراً كهذا، يحتاج اليوم إلى كثير من المراجعات داخل السينما العربيّة، أمام عدد وفير من الأفلام الجيّدة، التي أنجزها مخرجون عديدون وهم في بدايات حياتهم السينمائية، بالمقارنة مع أفلامهم الأخيرة المرتبكة تأليفاً وتخييلاً.

غير أنّ حالة المخرج علي الصافي تختلف بشكل كبير، فهي ترتبط بعامل الجدّة والتميّز الذي عادة ما انطبعت به أعماله الوثائقية، بحيث أنّ منطلقاته المنهجية، تظلّ فكرية وتاريخيّة/ توثيقية أكثر منها سينمائية وإبداعية/ تخييلية، إذْ أنّ الأسلوب التعبيري، الذي ينهجه تأليفاً وإخراجاً، يعتمد على نمط من الوثائقي الفكري، الذي لا يُقيم عند الوقائع والأحداث وجعلها تدخل في تسلسل كرونولوجي لبناء صورة الماضي بصرياً، بل الركون إلى نوع من التاريخ المُتحرّك والمُتلوّن في ذهن من يحكيه داخل صورة وثائقيّة تتّسم بالنوسطالجيا والتحوّل والنقد.

فهذا النوع من الوثائقي، الذي ينطلق من “الأرشيف” غائب في تاريخ الصورة الوثائقية داخل بلد (المغرب) لا يعمل سوى على الاجترار والتكرار والتدوير وإنجاز عشرات من الأفلام الوثائقية، عبارة عن تقارير خبرية سياسية واجتماعية، حيث تُشغّل المخرج الكاميرا فيجعلها تلتهم تفاصيل المكان وشخصياته وأحداثه.


هذا النمط الغالب على وثائقيات المَغاربة يُزكّيه بطريقة لا واعية طبيعة ومفهوم الوثائقي وما يتّسم به من أبعاد تقريرية في التعبير عن قضية ما. من هذا المُنطلق الإبستمولوجي، يتحمّل علي الصافي مسؤولية الغوص في الأرشيف المغربي في وثائقه الذي يحمل عنوان “قبل زحف الظلام” وذلك بالاستناد على فعل التوثيق، لا كمادّة بصريّة، بل كعملية إجرائية ترتكز على التخييل، وهذا سرّ وثائقيات علي الصافي ونجاحها وتفرّدها داخل الوثائقي المغربي، إذْ أنّ الأرشيف، يغدو وسيلة للتخييل وذلك عن طريق المونتاج، بوصفه مرحلة لاحقة من الكتابة، يُراهن عليها الصافي في جعل الفيلم أشبه بالنهر، الذي تلتقي فيه ذاكرة الماضي بفداحة الحاضر، فهما معاً يُؤطّران سياقه الكرونولوجي ويخطّان معاً مشروعه الجماليّ، إذْ أنّ المتأمّل لسيرة علي الصافي سيندهش من قدرة هذا الرجل على الإبداع وإمكاناته الهائلة في جعل الفيلم الوثائقيّ مختبراً للتجريب التاريخيّ، مكانة لا يُجابهه فيها إلاّ كبار الفيلم الوثائقي داخل لبنان، بحيث يعثر المُشاهد على كثير من عناصر التقاطع الفني والتلاقي الجمالي مع التراث السينمائي اللبناني على مستوى المنطلقات المنهجية، التي تُؤسّس مسار ووعي الصورة الوثائقية.

غير أنّ أفكاره، تنبثق من خصوصيات مغربيّة بامتياز، تجعل من الذاكرة مطلباً منهجياً ومدخلاً للتفكير والتأليف. وقد يكون علي الصافي من أوائل المغاربة، الذين تلمسوا طريقهم صوب صورة تروم الكشف لا الإدهاش، التوثيق بدل التخييل والنقد بدل المحاباة.

لقد أدرك صاحب “دموع الشيخات” أنّ الوثائقي، يعتبر أحد أخطر الأشكال الفيلمية، فهو أصعب من الفيلم التخييلي، وذلك لكونه يفرض على المخرج أنْ يجمع مادته ويوضّب صوره ومشاهده، حتى يقدّم شريطاً وثائقياً له القدرة على تفجير بعض الظواهر الاجتماعية والوقائع السياسية التي يحفل بها المجتمع، سيما وأنّ هناك وثائقيات تأخذ من المنهج الاستقصائي الحفري أداة للكشف عن العيوب والمآزق والتصدّعات، حين يتعلق الأمر بالوطن والخيانة والمال العام والتجسس وغيرها من الموضوعات التي تشكل مادة خصبة للفيلم الوثائقي.

بهذه الطريقة يغدو الوثائقي في تجربة علي الصافي، عبارة عن مختبر بصري قادر على خلق نوع من التجريب تجاه الواقع، إذْ تغدو الصورة السينمائية، عبارة عن أداة للقبض عن التجارب الإنسانية وتحويلها إلى ذاكرة بصرية لا تتوقف عن نزيف التذكّر والنوسطالجيا.

إننا أمام صورة تفكّر وتنتقد وتكشف وتُظهر وتسعى قدر الإمكان إلى توسيع مفاهيم النظر والتأمّل والتفكير، بغية تقديم مادة وثائقية أصيلة بقدر ما تلتحم بتحولات الذاكرة الجماعية، فإنها تنأى عنها أحياناً بسبب تفوق الواقع وفنتازيته على مفهوم الخيال نفسه.


ذلك أنّ أفلام من قبيل “قبل زحف الظلام” و”دموع الشيخات” عبارة عن وثائق تاريخية بصرية قوية تعطي للباحث إمكانات مذهلة للتفكير مع المخرج في إعادة كتابة تاريخ للمغرب المعاصر، انطلاقاً من الأرشيف السينمائي الذي يجعل منه صاحب “الباب السابع” المنطلق الجمالي لبناء مفهوم الوثائقي وجعله وسيلة لإدانة الحاضر وفداحته.

تطرح أفلام علي الصافي أسئلة فكريّة عميقة، لكونها لا تقدم فرجة سينمائية قوامها الترفيه، كما غدت تطالعنا الأفلام “التسجيلية” لكن الصافي يشتغل داخل مشروع سينمائي مركّب يصبح فيه المونتاج بمثابة اليد الثالثة التي تصنع وتُظهر جماليات الفيلم الوثائقي ورغبته في تجاوز مفهوم الواقع، صوب الانغماس في التاريخ وذاكرته السياسية والاجتماعية والحياتية للأفراد. إنّ أوّل سمة تنطبع بها أفلام الصافي تتمثل في تُجذّر مفهوم العلاقة بين السينما والتاريخ والذاكرة، فهي مفاهيم مركزية تلعب دوراً كبيراً على مستوى صناعة الوثائقي، إذْ تحوّل الصورة إلى مختبر بصري قادر على التفكير في قضايا تتصل بالفن والسياسة والمجتمع، وذلك بحكم الإمكانات التي يحبل بها براديغم الصورة السينمائية. فالسينما كما تقدّمها أفلام علي الصافي، عبارة عن مشروع بصري يتصادى مع المادة التاريخية ويحوّلها إلى تخييل بصري يصعب القبض فيه أحياناً بين التاريخي والتخييلي. إنهما يشكلان معا خطابا سينمائيا مركبا يجد ملامحه الجمالية في عنصر المونتاج.

فهذا الأخير، يكاد يكون كلّ شيء بالنسبة للصافي، إنه يتخذ شكل كتابة أولى وثانية، فإذا كان المونتاج عند دولوز هو “تلك العملية التي تعتمد على الصور/ الحركة لتستخلص كل شيء أي الفكرة والصورة الزمن” فإنه يغدو في تجربة الصافي ذلك النمط التكثيفي الذي يقف عند حدود اللحظات الأثيرة واللقطات المُضيئة التي تظل عالقة في الذاكرة والوجدان على حد تعبير آيزنشتاين. وفق هذا المنزع الجمالي، يأخذ مفهوم تمثل المونتاج عند صاحب “الباب السابع” نزعة تفكيكية مكثفة، فهو يقوم على مبدأ التعارض في صياغة المَشاهد، كما يتبدى ذلك في “قبل زحف الظلام” حيث يقف التحديث في وجه التقليد ونور الحداثة في وجه ظلمة ستزحف على المغرب الثقافي وتحوّله إلى عبارة عن شبح مخيف.


إنّ هذا المونتاج التوليدي للصور كما نحته آيزنشتاين والقائم على التقابل البصري يوظفه علي الصافي بطريقة واعية لا تستنسخ النموذج السوفياتي، بقدر ما تعمل على تحديثه وفق آلية فكرية تتماشى مع طبيعة الصور وخصوصية المشاهد التي هي في مجملها عبارة عن أرشيف بصري يتأرجح بين الفيديو والصور.

يحرص الصافي في “قبل زحف الظلام” في أنْ يكون الأرشيف بمثابة الإطار الفكري البصري الذي يظلل سيرة الصورة الوثائقية ويجعلها مفتوحة على جماليات الواقع ومتاهات الذاكرة. لقد نجح الصافي في توسّل أرشيف سينمائي مغربي منسي وتوظيفه بصرياً في عملية بناء سردية بصرية حقيقية تظهر التناقض الذي يعيشه المغرب اليوم أمام ماضٍ ثقافي أصيل يجعل من الفكر المُلتزم علامة مضيئة في تاريخ المغرب المعاصر. لذلك يتبدى للمُشاهد أن طريقة الصافي في الاشتغال على الوثائقي أشبه بعمل المؤرّخ، فهو لا يتعامل مع الواقع بطريقة مباشرة، وإنما يروم إلى البحث عن القصص والحكايات والصور والشرائط المصورة والبوسترات والأغلفة ومقاطع الفيديو وتصريحات الناس وغيرها من العناصر التي يدمجها الصافي ضمن وحدة بصرية تركيبية، إذْ على الرغم من تباين المادة الأرشيفية واختلاف سياقاتها “التاريخية” ومرجعياتها الفكرية، فإن علي الصافي توفّق إلى حد كبير في عملية اختيار المادة “التاريخية” ووضعها في قالب سينمائي يداعب الصور ويفكك الزمن ويجعل ديمومة المَشاهد خاضعة لما يريد المخرج قوله وإظهاره للمُشاهد عن حقبة تاريخية لها أثرها البالغ في تاريخ الثقافة المغربية المعاصرة، بحكم ما عرفته تلك المرحلة الذهبية من ثورة ثقافية احتفى بها الصافي في فيلمه مثل المجلات كالثقافة الجديدة ولاماليف وأنفاس والمجموعات الغنائية كناس الغيوان وجيل جيلالة والسهام والأفلام السينمائية وقاعاتها والموسيقى الشعبية وجمالياتها.

حين يتعامل علي الصافي مع التاريخ، لا تهمّه أحداثه ووقائعه إلاّ باعتبارها ذات دلالة بالواقع. إنّ المخرج يُبلور لا شعورياً ذلك المفهوم الذي اجترحه المؤرّخ الفرنسي فرناند بروديل حلو المدة الطويلة” حيث يقيم الصافي مسافة بين الحدث التاريخي وما يريده من هذا الحدث. ونظراً لحجم الوثائق البصرية التاريخية المستخدمة في فيلمه “قبل زحف الظلام” فإنّ ذلك يعطيه شرعية “علمية” لكونه لا يطرق باب الخيال، بقدر ما يظلّ يقف سامقاً أمام عتبة التاريخ، عاملاً على تشريحه وتأمله والتفكير فيه على أساس أنه تاريخ لم ينته بعد.

في “قبل زحف الظلام” يروي الصافي تاريخ سنوات الرصاص سياسياً واجتماعياً وثقافياً على شكل حكاية، تستند على تشذير الصورة، فهي تروى من قنوات صوتية متعدّدة وداخل سياق يساري محض. ولأنّ الوثائقي يأتي على شكل عملية نوسطالجية، تقوم على توثيق التاريخ والقصص والأحداث والوقائع، فإنّها تغدو أكثر دقّة في عملية رصد هذه الأحداث، بحيث أنّها تُحاول أنْ تُعطي صورة عامّة عن مرحلة السبعينيّات بفرحها ومرارتها وتقلّباتها من وجهة نظر شخصيّة، سرعان ما تتقاطع بشكل خفيّ وذكي مع التاريخ الكوني ورياح التجديد، التي عرفها المغرب إبان سبعينيّات القرن العشرين على خلفية سلسلة أحداث كبرى شهدها العالم وساهمت إلى حد كبير في صناعة مشروع الثقافة المغربيّة مثل اليسار الجديد والقضية الفلسطينيّة وأخرى المرتبطة بالثقافة المحليّة وما يرتبط بها من أفلام، مجلاّت، مسرحيات، أغان، موسيقى، صالات السينما، استوديوهات التصوير، معارض تشكيليّة، الماركسية وغيرها.

إنّ المُشاهد يعثر على هذه الأيقونات الثقافيّة والفنيّة والخطابات السياسية والفكرية، التي شرعت في تأسيس هذه الثقافة ونزع صور التقليد المُلتصقة بها وجعلها تخرج من براثن التقليد المُخيّم عليها طيلة الخمسينيات والستينيات، صوب مرحلة أكثر تعطشاً للحرية والحداثة والتحديث، فقد اتّسمت هذه المرحلة بتأسيس الحداثة الفنيّة في المغرب وظهرت كُتبٌ فكرية وأدبيّة ومسرحات ومجلاّت وأفلام سينمائية تتماهى مع بعضها البعض من الناحية السياسية والفكرية، بحيث أنّ اختيارها من لدن الصافي كأرشيف بصريّ، كان دقيقاً باعتبارها مرحلة تُشكّل داخل الأدبيات التاريخيّة المحلية والاستشراقية منها أوج الحداثة الفنيّة المغربيّة، رغم حساسيتها السياسية، التي قادت إلى نوع من الاصطدام الايديولوجي، بين المثقّف الحداثي ودعاة التقليد، الذين ظلّت المؤسّسات الرسمية تتستّر عليهم طيلة السبعينيات، بحكم أنّ التوجّه الفكري الذي كانت تتبناه هذه الفئة، محافظاً وتقليدياً ويتماشى أكثر مع التقاليد والعادات المغربيّة، دون التفكير في إمكانية الثورة على هذا “التراث” السياسي والاجتماعي والثقافي الموروث عن المرحلة الحديثة أو قبلها بقليل.

تأتي صور الفيلم الوثائقي على شكل احتفاء مزدوج، الأوّل: يتعلّق برموز الثقافة في المغرب سياسياً واجتماعياً وفنيّاً وسينمائياً، بحيث نجد المخرج تعمّد الوقوف عند أبرز العلامات (على شكل أيقونات) التي انطبعت بها ذاكرة المغرب الفنيّ، إذْ تلعب هذه الأيقونات دوراً بارزاً في تشكيل الإطار الفنيّ لتراتبية الصور والمَشاهد، بل وأيضاً كخلفية جماليّة تصوغ خطاب الفيلم وتجعله وثائقياً، يتبرّم التقرير والمباشرة في طرح الموضوعات بشكل فجّ وعقيم. وثانياً يرتبط بموضوع الفيلم وشخصياته، إنطلاقاً من حكاية عبد العزيز الطريبق كطالب وعضو سابق في منظّمة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” لكن فقط كحضور صوتي يروي قصصاً حول المنظّمة وتاريخها وتأثيرها في واقع الجامعة المغربيّة، بحكم الدور الذي لعبه الاتحاد الوطني في تكريس ثقافة النضال والرفض داخل الجامعة بالمغرب، ثمّ لكونها من أوائل المنظّمات التي احتضنت ثقافة اليسار، في وقت حدست فيه المؤسّسة الرسمية، بأهميّة هذا التكتّل السياسي الطلابي، فعملت على القضاء عليه أو بالأحرى تخوينه من خلال تشجيع الفكر التقليدي وتسييس الدين لتكسير شوكة اليسار المغربي وثقافته وفنونه، التي بدأت تجتاح المجتمع وتكتسح مخيّلة الإنسان المغربي المقهور وتُشجّعه على الثورة والابداع.

Leave a Reply