بقلم محمد اشويكة
تقديم:
شهد النقد السينمائي في المغرب مخاضات وتطورات كبيرة إلى أن ترسخت معالمه الأساسية الكبرى، وذلك ناتج في مجمله عن التحولات المتضافرة التي شهدتها صناعة السينما من جهة، وتغيرات المجتمع المغربي من جهة ثانية. وفي هذا المنحى، يمكن أن نشير إلى أهم التطورات الملحوظة في مجال النقد السينمائي بالمغرب وفق تسلسل تاريخي وفكري خَاصٍّ تَبَلْوَرَ إثر نقاشات مفتوحة حول القضايا المجتمعية والسياسية والإيديولوجية، فقد تناول النقد السينمائي في المغرب، وبشكل متزايد، أهم القضايا المجتمعية والسياسية والثقافية التي أثارتها الأفلام مثل الهوية الوطنية والتنوع الثقافي وحقوق المرأة وعدم المساواة والفوارق الاجتماعية والهجرة والتحولات الاجتماعية وغيرها.
أسفرت هذه المطارحات عن تنوع بَيِّنٍ على مستوى الأصوات والتوجهات النقدية، الأمر الذي أثرى النقد السينمائي في المغرب وساهم في تباين وجهات النظر والتجارب.. هكذا، قدم النقاد كتابات هامة أظهرت بشكل ملموس اختلاف مشاربهم وخلفياتهم الاجتماعية والنظرية والثقافية والإيديولوجية والجمالية، كما أن تعاقب الأجيال – بالرغم من قلة الأصوات النقدية الجديدة – قد أبان عن كتابات ورؤى متنوعة حول الأفلام مما ساهم في تطعيم الحقل النقدي السينمائي بتحليل أكثر دقة وشمولا.
استفاد بعض النقاد السينمائيين في المغرب من دورات للتدريب داخل الورشات وحلبات التصوير، وذلك في ظل غياب التكوين الأكاديمي للنقاد داخل المعاهد والمدارس والجامعات، الأمر الذي يضع غالبيتهم في دائرة الشغف أو البحث الأكاديمي مع استثناءات منهم، جمعت بين المِيزَتَيْن، بل إن فئة قليلة منهم قد انخرطت في بعض المهن السينمائية.. وبناءً على هذا المعطى، تمايزت مهاراتهم الفنية والتحليلية، فضلا عن تباين مستويات معارفهم حول السينما بوصفها تقنية وصناعة.
تعززت علاقات النقاد السينمائيين المغاربة مع الأفلام المغربية بشكل واضح في السنوات الأخيرة إثر انتظام الإنتاج، وتزايد شبكة المهرجانات والملتقيات والتظاهرات والندوات السينمائية، وانخراط بعضهم في العديد من الدوائر والاجتماعات (التكتلات) المهنية، الأمر الذي عزز الحوار البناء فيما بينهم وبين السينمائيين، وساهم بطريقة معينة في نشر ثقافة الاعتراف المتبادل بالرغم من حدوث سوء تفاهم بين الفينة والأخرى، مَرَدُّهُ في العمق إلى اختلاف وجهات النظر الجمالية.
اكتسب النقاد المغاربة اعترافا إقليميا ودوليا، ساعدهم في الرفع من مستوى ظهور السينما المغربية على الساحة الوطنية والإقليمية والعالمية.. وتجدر الإشارة إلى نشر الكثير منهم لكتبه في دور نشر هامة، وظهور مقالاتهم في مجلات عربية ودولية، ورقية وإلكترونية أو مدونات متخصصة، دَعَّمَتْهَا وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في مقارنة آراء النقاد مع الهواة والمحترفين، فضلا عن شيوع تبادل الآراء والأفكار والمناقشات حول الأفلام المغربية والعالمية.
بناء عليه، يشهد هذا التقدم على حيوية النقد السينمائي المغربي وتنوعه، فضلا عن دوره المتنامي في النهوض بالسينما الوطنية والتفكير في القضايا المعاصرة في المجتمع المغربي.
–I– محطات تاريخية: من التبعية إلى التحرر:
قبل الشروع في تقديم بعض المحطات التاريخية التي نسجت اللحاء العام لما يمكن أن نسميه الانتقال الموضوعي من السينيفيليا إلى النقد السينمائي في المغرب، وضرورة تمييزه عن البحث الأكاديمي في السينما، نفترض جدلا أن الولع بالسينما يعني ذلك النشاط الواعي بمشاهدة الأفلام وتحليلها وتقاسم المتعة السينمائية حولها، وبالتالي الانتقال إلى المعرفة العملية الناتجة عنها.
ظهرت حركة الأندية السينمائية بالمغرب في ثلاثينيات القرن المنصرم، فقد كان أغلب المشرفين عليها فرنسيين، يسعون إلى توطيد المد الثقافي الفرنكوفوني وخدمة أهداف الاستعمار، لكن سرعان ما ستتنامى روح جديدة بين عشاق السينما بالمغرب، فتسفر عن انتعاشة جديدة للحركة السينيفيلية مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية خاصة بالمدن الكبرى مثل الدار البيضاء ومراكش وفاس والرباط، وكذا ببعض المدن المنجمية مثل خريبگة وغيرها.
بدأت الإرهاصات الأولى لما يمكن أن نسميه نقدا سينمائيا بالمغرب بشكل انطباعي داخل هذه الدائرة، إذ طغى التداول الشفهي على تحليل ومناقشة الأفلام مباشرة بعد عرضها. وتشير بعض الدراسات التاريخية[1] إلى أن حدوث هذا الأمر، ولو على سبيل الاستمتاع المُنَظَّمِ، قد ابتدأ في سنة 1901 بالقصر الملكي بفاس ومراكش أيام السلطان عبد العزيز (1878- 1943) الذي كان شغوفا بالصورة والتصوير، فهو أول مغربي استعمل الكاميرا الاحترافية وصور وثائق مرئية، ولذلك ارتبط بهذا الفعل حديث حول التقنيات وموضوعات الأفلام وطرائق التصوير شارك فيها جزء من بِطَانَتِه.. وللإشارة فقد كان يشرف على عرض الأفلام التقنيان الفرنسي “غابرييل فير” والإنجليزي “جون إفري”.
لا يمكن أن يكتمل انتشار الحديث عن السينما دون بنية تحية حاضنة وناظمة، وقد تأتَّى هذا منذ سنة 1905 حيث تَمَّ بناء قاعات سينمائية انطلاقا من مدينة طنجة التي كانت تعرف خليطا من الثقافات والجنسيات، ساهم في إنعاش الدعاية للأفلام (نشر الملخصات والبطائق التقنية والملصقات) والكتابة حولها بالعربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية ومناقشتها مع الجمهور لاسيما وأن وضعية طنجة الدولية كانت تسمح بهذا التنوع والانفتاح اللغوي…
ساهم انتشار الثقافة السينمائية في عشرينيات القرن الماضي بفرنسا في انتعاشها، مباشرة، بالمغرب مما أدى إلى تأسيس أندية سينمائية ارتبطت في بدايتها بالمقيمين الفرنسيين وخاصة المثقفين منهم. وتجدر الإشارة إلى أن استعمال “النادي السينمائي” يعود إلى رائد النقد السينمائي الفرنسي “لوي دوليك” (Louis Delluc) [1890-1924] الذي رَوَّجَهُ لأول مرة في بداية سنة 1920 قصد تجسير النقاش بين السينمائيين والجمهور عبر تنظيم أنشطة مختلفة تشمل العروض واللقاءات والندوات والورشات.. وهكذا تَمَّ الإعلان في شهر يونيو من سنة 1920 عن أول لقاء خاص بالنادي السينمائي داخل إحدى القاعات السينمائية الفرنسية، تَوَّجَتْهُ محاضرة سينمائية…
سمح الاستقلال بإمساك المغاربة بزمام الأمور فتأسست “الفيدرالية المغربية لنوادي السينما” (FMCC) بغرض منافسة الأندية التابعة للبعثة الفرنسية، وقد أثمرت هذه الدينامية عن إخراج مجلة “الشاشة المغربية” (L’écran marocain) من لدن “جمعية صورة وصوت” بالدار البيضاء سنة 1964.. ثم تلاها بعد فترة لاحقة صدور أربعة أعداد بالفرنسية سنة 1970 من مجلة “سينما 3” (Cinéma 3) تحت إدارة الراحل نور الدين الصايل (1947- 2020)…
تَمَّ إصدار مجلة “دراسات سينمائية”، بشكل متأخر، بعد تأسيس الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب في بداية السبعينيات (1973) من القرن المنصرم، لكنه لم يتجاوز الفترة الزمنية الممتدة من 1985 إلى حدود 1991 بما لا يتعدى ثلاثة عشر عددا. بعد ذلك، ظهرت بعض المجلات التي راهنت على الجمهور بضمها للسينما والتلفزيون مثل “سيني مسرح” و”سينما وتلفزيون” إلا أن حظ الاستمرار لم يكن حليفا لها، باستثناء مجلة “سينيفيليا” التي وصلت العدد الثلاثين إلى حدود سنة 2023.
كانت تجربة مجلتي “CINE MAG” و”ème9/16″ مختلفة من حيث الشكل وجودة الورق والصور مع حرص الأولى على تقديم بعض الأفلام المغربية القصيرة مرفقة بأعداد معينة على شكل أقراص ممغنطة إلا أن التجربة لم تستمر طويلا. فضلا عن تلك العناوين، تعزز مجال النقد السينمائي والأكاديمي المغربي بظهور مجلات تجمع بين الرصانة البحثية والعمق النقدي منها مجلة “وشمة” التي ظهر العدد السادس عشر منها بعد مدة طويلة من الانقطاع، وذلك خلال الدورة 29 من مهرجان سينما البحر الأبيض المتوسط، وهي المجلة الصادرة عن جمعية “أصدقاء السينما” بوصفها الجهة المُنَظِّمَة للمهرجان.. مجلةٌ تنشر بعض أعدادها بثلاث لغات (عربية، فرنسية، إسبانية)، وهناك “المجلة المغربية للأبحاث والدراسات السينمائية” التي وصلت إلى العدد 15 الذي يتضمن هذه الدراسة، تُصْدِرُهَا “الجمعية المغربية لنقاد السينما بالمغرب” بعد توقف مجلتها الأولى “سيني.ما” (Ciné.ma)، مع اختلاف التجربتين من حيث الكيف والغاية.
ألمحنا بعجالة إلى بعض المحطات والعلامات البارزة في مسار نشوء النقد السينمائي في المغرب عبر مسيرة خاصة ساهمت في بناء نوع من التفكير النقدي المدعوم بالفلسفة والعلوم الإنسانية خاصة وبالآداب عامة، مُنْجَزٌ بلوره نقاد وسينيفيليون وباحثون أظهروا قدرات متفاوتة على تحليل الأفلام داخل سياقاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية العامة، فكانت لهم مكانة لا يمكن تجاوزها في المشهد الثقافي الحداثي المغربي.
–II– المشارب: من التأسيس إلى التقعيد:
تتطلب ممارسة النقد السينمائي الانفتاح على حقول معرفية كثيرة، والنهل من مشارب ومصادر متعددة، نظرية وفنية وعلمية وثقافية.. حري بالناقد والباحث السينمائي أن يكون قادرا على تتبع حركية الفعل السينمائي ما دامت الأفلام متعددة ومتنوعة، والمستجدات المحيطة بها غير محصورة في حقل بذاته، وهذا يدعو إلى استعمال منهج مرن يساير حركية المستجدات السينمائية ذات الطابع الفني والتقني والفكري…
بما أن النقد السينمائي قد انتعش في المغرب ضمن بيئة سينيفيلية محضة، مرفودة بالدفاع عن تثبيت سينما وطنية مضادة للتوجه الفرنكوفوني الكولونيالي، فإن مؤطريها قد حملوا على عاتقهم نشر ثقافة طليعية يسارية، مُلْتَزِمَةٍ بقضايا المجتمع، مُدَافِعَةٍ عن القيم الجمالية العليا، وفي هذا المعطى تفسير لانزياح الحركة النقدية[2] نحو المناقشات والمحادثات والمجادلات التي تعقب العروض، الأمر الذي رَسَّخَّ تقاليد المشافهة أكثر من تقاليد الكتابة مع استثناءات قليلة بما في ذلك تجربة الراحل نور الدين الصايل.. بالرغم من ذلك، يظل جوهر هذه التجربة متفردا بفعل غنى مواردها التي يمكن حصر بعضها في ما يلي:
– عشق الأفلام (السينيفيليا): ارتبط النقاد السينمائيون المغاربة، مع استثناءات قليلة، بعشق السينما، فغالبيتهم العظمى سينيفيلية أولا وأخيرا، منهم من يمتلك خزانة فيلمية ضخمة، وكتبا سينمائية منتقاة بعناية، يخدم تقاسم المتعة السينمائية بحب (الراحل أحمد الفتوح)، ولا يعرفه إلا الراسخون في محبة الفن السابع، ومنهم من خدم هذا الفن فعاش التجربة بوصفها نمط حياة وأسلوب عيش (حالة آيت عمر المختار مثلا)، ومنهم من انغمس فيها بشغف (حالة الراحل نور الدين كشطي).. وبالتالي، ظلت مشاهدة الأفلام، من مختلف المدارس والأنواع والعصور، أساسية في تجربة النقاد السينمائيين المغاربة، فقد كشفت أحاديثهم أن الفرجة السينمائية تتيح توسيع دائرة المرجعيات الفيلمية، وترقى بمستوى الحساسية السينمائية.
– التكوين الأكاديمي: يحمل جل النقاد السينمائيين المغاربة شهادات أكاديمية عليا، ويتمتع بعضهم بتأثير كبير في المشهد الأكاديمي المغربي، وذلك بفضل تكوينهم الرصين في مجالات الفلسفة والعلوم الإنسانية وبعض التخصصات العلمية (الدكتور الراحل محمد سكري، والدكتور محمد گلاوي).. كما تابع بعضهم برامج ودورات تدريبية خاصة بدراسة الأفلام في الجامعات أو الورشات المتخصصة مما أكسبهم خبرة ودربة نظرية وعملية عميقة في مجالات السينما.
– الكتب والمقالات: تابع النقاد السينمائيون المغاربة، ويتابعون اليوم، أهم الموسوعات والمصادر والمراجع التي احتضنت الكتابات الأساسية لأهم النقاد البارزين في النقد السينمائي العالمي، ولاسيما الفرنسيون منهم مثل “أندريه بازان” أو “سيرج داني” أو البريطانية “لورا مولـﭬي” (Laura Mulvey) وغيرهم؛ إذ قدموا تحليلات عميقة للأفلام والاتجاهات السينمائية المغربية والعربية والدولية.. وتعد الأعمال النقدية السينمائية المغربية رائدة في إفريقيا والعالم العربي، اليوم، بفضل دينامية المشهد السينمائي الحاضن لها.
– المجلات المتخصصة: انتشرت في صفوف النقاد السينمائيين المغاربة مجلات سينمائية مهمة باللغة الفرنسية مثل “مجلة السينما” (La revue du cinéma)، ومجلة “1895” الصادرة عن الجمعية الفرنسية للبحث في تاريخ السينما، ومجلة “CinémAction”، و”دفاتر السينما” (Cahiers du Cinéma) ومجلة “Positif”.. ومجلات بالإنجليزية مثل “Sight & Sound” و”Film Comment” و”Variety” ومجلات ناطقة بلغات أخرى.. كُلٌّ حسب ميوله وتخصصه، ولذلك جاءت مراجعاتهم للكتب السينمائية قيمة، وتحليلاتهم الفيلمية عميقة، ومقابلاتهم مع صناع السينما انتقائية ووازنة، وتقاريرهم حول الأنشطة السينمائية عميقة وتثقيفية وغير مهووسة بالدعاية المجانية والإخبار.
– المهرجانات السينمائية: ساهمت مشاركة النقاد السينمائيين المغاربة (لا أقصد الصحافيين الموظفين بمؤسسات صحافية معينة) في المهرجانات السينمائية الوطنية أو الدولية في مشاهدة الأفلام المغايرة وتبادل الخبرات والاطلاع على التجارب النقدية الدولية، وسَنْدِ معارفهم بتصورات عالمية حول مجالات السينما ومستجداتها.. الأمر الذي أسفر عن تعدد المهام التي يضطلعون بها في المشهد السينمائي اليوم (تدريس السينما، البحث الأكاديمي، الاستشارة والخبرة، التحكيم، كتابة السيناريو، الإدارة، الأرشفة…).
– المواقع الإلكترونية والمدونات المتخصصة: يساير غالبية النقاد السينمائيين المغاربة ما يروج على الإنترنت من معطيات وأبحاث ومقالات، فضلا عن رصدهم لما تطفح به الساحة السينمائية من تحولات هائلة إثر الانفجار الرقمي المتواصل، فهم متابعون وراصدون لأهم الموارد الرقمية المهمة في المجال النقدي، وأخص بالذكر ما تزخر به بعض المواقع الأنجلوساكسونية مثل “RogerEbert.com” و”IndieWire” و”The A.V. Club” و”Rotten Tomatoes”، إضافة إلى العديد من المواقع الأخرى التي تتضمن ثروة متزايدة من المراجعات والمقالات حول السينما.
– البودكاست: يتابع النقاد السينمائيون المغاربة ما تزخر به برامج البودكاست المتخصصة في مجالات السينما عامة، وتحليل الأفلام خاصة، فهي غاصة بالمناقشات والمقابلات العميقة مع صناع الأفلام في مختلف أنحاء العالم وبشتى اللغات. وتحظى بعض المحتويات من قبيل “The Film Programme” أو “The/Filmcast” بشعبية كبيرة على قناة BBC مثلا.
– وسائل التواصل الاجتماعي: يستخدم جل النقاد السينمائيين المغاربة منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة (وخاصة “فيسبوك”) لنشر أنشطتهم السينمائية أو التعبير عن آرائهم حول الأفلام وما يروج في الساحة السينمائية المغربية والدولية.. لكن، وبالمقابل، نلاحظ تواجدهم الضعيف على منصة “Twitter” أو “Letterboxd” التي تنشط فيها الآراء الجادة حول الأفلام، ويحصل التفاعل مع عشاق الفن السابع من كافة أنحاء العالم.
عموما، تتعدد مشارب النقاد السينمائيين المغاربة وتتجدد حسب تطورات الأوضاع السينمائية في المغرب وخارجه.. ونسجل في هذا السياق جمعها بين موارد مختلفة أتاحت لهم تطوير عتادهم المفاهيمي، وتجديد منظوراتهم ورؤاهم الفنية كما زودتهم بِمَعِينٍ فكري دَعَّم رصيد عشاق السينما في المغرب، وثَوَّرَ اختياراتهم الفيلمية والجمالية، وأغنى الخزانة السينمائية بمؤلفات وبحوث قيمة.
–III– التوجهات: من حماس العشق إلى بناء المشروع:
تختلف اتجاهات النقد السينمائي بالمغرب حسب تكوين كل ناقد على حِدَة، ووضوح الهدف من ممارسته للنقد، وهي عناصر تحسم بشكل موضوعي في تبيان أهمية وقيمة ومشروعية التوجهات العامة للفعل النقدي؛ فضلا عن مساهمة هذا في تمكين الرَّاصِدَ من تمييز عمق ورصانة توجهات أصحابها.. نقصد بالتوجهات، افتراضا، مدى تشكل النقاد السينمائيين المغاربة في تيارات نقدية معينة وفقا لما نستشفه من مقالاتهم ودراساتهم وأبحاثهم التي يمكن أن تربط بينها قيم وأفكار مشتركة، تجعلهم يشتركون في نفس الرؤى الجمالية أو الإيديولوجية مع الحفاظ على الأسلوب الخاص بكل واحد منهم.
نشير إلى أن المعطيات المتحققة على الأرض تشير إلى عدم قدرة الكثير من الأسماء على بلورة مشروع نقدي واضح تجاه السينما عامة أو السينما المغربية على وجه التحديد: مثلا، ليس من يتناول المكون الاجتماعي في السينما يمكن تصنيفه ضمن دائرة سوسيولوجيا السينما، وليس المتحدث من داخل الفلسفة عن السينما ندخله في نطاق فلسفة السينما لأن “ستانلي كاﭬل” و”جيل دولوز” – النموذجان البارزان، أنجلوساكسونيا وفرنكفونيا – وَازَنَا بين التناول الفليلموغرافي، منطلقين منه أساسا، والمعالجة الفلسفية، وليس العكس، بمعنى أن السينما كانت مُحَفِّزًا على التفلسف لديهما؛ إذ لم يكن استعراض النظريات والتيارات الفلسفية هاجسا.. بهذا المعنى، يمكن اعتماد توصيف عالم الاجتماع “بيير بورديو” التي يتم الاستشهاد به كثيرا في مثل ما نرمي الذهاب إليه، والذي بموجبه يكون “كل مُتَعَاطٍ (مستهلك) لمنتوج معين، وخاصة المنتوج الثقافي والفني الإبداعي، “مُصَنَّفًا حسب ما ذهب إليه من تصنيف”، أي وفق قائمة الأشياء التي يحب قراءتها ومشاهدتها والاستماع إليها.
يتماشى تصنيف عينة من توجهات المنشغلين بالكتابة عن السينما في المغرب مع نوعية الأفلام التي يكتبون عنها، ففي ثنايا هذا المعطى حديث عن مضمرات واختيارات شخصية تنجلي في الدفاع عن بعض الأفلام التي تُضَادُّ أفلاما أخرى، وهو ما يعبر عن جزء من علاقة الناقد الحميمة بالأفلام، فضلا عن حساسيته الشخصية تجاه بعض الاختيارات.
وفي ما يلي بعض التوجهات التي يمكن للمتتبع أن يحصر من خلالها الحركة النقدية السينمائية بالمغرب:
– المنهج الفلسفي: للسينما والفلسفة علاقة أثيرة في المغرب، فقد انخرط ثلة من مدرسي الفلسفة في حركة الأندية السينمائية أبرزهم المُؤَسِّس الراحل نور الدين الصايل والأستاذ بنسالم حبيبي وغيرهم. قارب بعض النقاد السينمائيين المغاربة الظاهرة الفيلمية اعتمادا على المنهج الفلسفي، وذلك وفق الأسئلة الفلسفية الأساسية التي يثيرها فن السينما، فَاحِصِين الكيفية التي توظفها السينما لاستكشاف الأفكار الفلسفية أو توضيحها أو تَصَوُّرِهَا.. وقد شمل هذا التوجه عدة مجالات أهمها أنطولوجيا الأفلام والأخلاق والخيال والنظرية الفيلمية والسياسة والإيديولوجيا والوجود والفينومينولوجيا.. ومن أهم المشتغلين في هذا الباب الراحل مصطفى المسناوي ومحمد نور الدين أفاية.
– المنهج الجمالي: يركز هذا التوجه على الجوانب الشكلية والفنية للأفلام، مثل الإخراج والتصوير والمونتاج والتأليف الموسيقي وغيره من العمليات الإستيتيقية التي تركز على تحليل كيفية مساهمة تلك العناصر في معنى الفيلم وتأثيره العاطفي.. وتذهب كتابات الناقدين بوبكر الحيحي وأحمد فرتات في هذا المنحى.
– التحليل السردي: يَنْظُرُ النقاد الذين يتبنون هذا التوجه إلى البنية السردية للفيلم، بما في ذلك الحبكة والشخصيات والموضوعات والحوار والمكان والزمان.. دارسين كيفية تفاعل هذه العناصر في ما بينها، ومدى مساهمتها في سرد قصة متماسكة ومقنعة.. ونمثل لهذا التوجه بكتابات الناقد والباحث محمد طروس وعبد اللطيف البازي.
– المنهج الموضوعاتي والرمزي الثقافي: يستكشف هذا التوجه الموضوعات والرموز الأساسية الموجودة في الفيلم، مع التركيز على المعاني الأعمق والرسائل الفلسفية أو الاجتماعية والثقافية التي ينقلها ومن أهم المتبنين لهذا التوجه الناقد محمد البوعيادي وسعيد شملال.
– السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي: يضع النقاد الذين يتبنون هذا التوجه الأفلام في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي، ويحللون كيفية انعكاسها أو تعليقها على أحداث وأفكار وقيم عصرهم.. ومن أبرز النقاد في هذا المجال الناقد الراحل محمد الدهان ومولاي إدريس جعيدي.
– النقد الاجتماعي والسياسي: يدرس هذا التوجه الأفلام من خلال عدسة نقدية تركز على القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثل تمثيل المهمشين والأقليات، وعدم المساواة بين الجنسين، والقضايا الطبقية.. وتعد كتابات حميد تباتو هامة في هذا الباب لأنها تتكئ على جهاز نظري ومفاهيمي أقرب إلى النظرية الماركسية.
– المنهج النفسي والعاطفي: يركز بعض النقاد على ردود الفعل العاطفية والنفسية التي تثيرها الأفلام لدى المشاهدين، دارسين الكيفية التي يمكن بموجبها للشخصيات والمواقف والموضوعات أن تؤثر على تصورات الجمهور ومشاعره.. ويمكن أن تندرج في هذا الباب بعض كتابات الناقدين سليمان الحقيوي ومبارك حسني.
– نقد النقد: ساهمت كتابات الناقد والباحث بوشعيب الخياطي في إغناء هذا الباب الذي صار ضرورة مع تحقيق تراكم نقدي هام في المغرب، فقد بنى الباحث وجهة نظره حول بعض التجارب النقدية السينمائية في المغرب، مسلطا الضوء على أصالتها وأهميتها، مُنَبِّهًا إلى قلة الاهتمام بالكتاب السينمائي بشكل هام.. وقد جمعت كتاباته بين التعريف ببعض المنجزات النقدي السينمائية في المغرب والمساءلة الجدلية لها.
– النقد التجاري والصناعي والدعائي: يحلل هذا التوجه صناعة الأفلام السينمائية كنظام اقتصادي وثقافي، ويدرس جوانب مثل الإنتاج والتوزيع والاستغلال واتجاهات شباك التذاكر واستراتيجيات التسويق.. وتنضوي في هذا الإطار كل الكتابات التي ينتجها نقاد السينما بالمغرب بالتزامن مع الأحداث والوقائع السينمائية التي تعرفها البلاد، فلكل واحد منهم فيها نصيب، لاسيما وأن الكثيرين منهم قد أنتج برامج إذاعية أو تلفزيونية، وبعضهم يكتب لصالح الجرائد أو المجلات أو المواقع الإلكترونية.
– النقد المقارن والتناصي: تسلك كتابات بعض النقاد هذا المنحى الذي يعتمد مقارنة الأفلام مع بعضها بعضا أو وضعها في سياق أعمال سينمائية أو أدبية أو فنية أخرى قصد فهم تأثيراتها ومراجعها وابتكاراتها بشكل أفضل.. وتسير الدراسات الأكاديمية (الأطاريح الجامعية خصوصا) في هذا السياق مع العلم أننا نفرق بينها وبين الكتب أو المقلات النقدية في هذا الرصد لتوجهات النقد السينمائي في المغرب.
نسجل إنتاج عدد مهم من النقاد السينمائيين المغاربة لنصوصٍ تدخل في خانة المجاملة والمحاباة، وذلك بسبب الصداقة أو القرابة أو الجهوية أو التشجيع.. ونستحضر، أيضا، وبشكل لافت، هروب بعض الأقلام التي اعتدنا على كتاباتها في مجالات أخرى إلى مجال النقد السينمائي بفعل جاذبية عوالمه والإغراءات التي يتميز بها، وقد ساهم هذا الانتقال الفجائي في تمييع العملية النقدية واسترخاص الصوت النقدي وتهجين النص النقدي بالمعنى السلبي للكلمة.. ويأتي هذا النمط من الكتابة الهجينة، أيضا، في سياق اشتغال بعض النقاد ضمن أطقم الأفلام سواء بوصفهم صحافيين أم مسؤولين عن الترويج والإعلام أو في الإدارة وغيرها من المهام المرتبطة بالمجال السينمائي.
ختاما، يمكن أن تتداخل عدة توجهات لدى الناقد الواحد، فلا يستبعد بعضها بعضا، إن حصل الانسجام واتضحت الرؤية، باستثناء ما وضعناه ضمن باب الهجنة، ففي التداخل غنى إبستيمولوجيا، يسمح بتطور الممارسة النقدية السينمائية التي تتطلب، بدورها، تنوع وتعدد المناهج، فضلا عن الانفتاح على المستجدات السينمائية والفيلمية التي تُمَكِّنُ الناقد من دمج العديد من وجهات النظر التي تتطلبها عملية رصد وتتبع وتقديم وتحليل الأفلام بوصفها عملية شاملة ومتداخلة.
[1] – قمنا بالتحقق من بعض المعلومات التاريخية استنادا إلى الأبحاث التالية:
– مصطفى المسناوي، أبحاث في السينما المغربية، منشورات الزمن، الرباط، 2001.
– Moulay Driss Jaïdi, Le cinéma colonial: histoire du cinéma au Maroc, Al Majal, Rabat, 2001.
– بوشتى المشروح، تاريخ السينما في المغرب: من أواخر القرن التاسع عشر إلى سنة 1912، منشورات مركز سجلماسة للدراسات والأبحاث السمعية البصرية، الرباط، 2023.
[2] – لا تشمل هذه الدراسة مجموع المتعاطين للنقد السينمائي في المغرب بحكم المنهج الذي رمناه في عرض وتناول المشارب والتوجهات الكبرى التي تطرقنا إليها، وهي بالضرورة، إجرائية نسبية، ليست نهائية ولا شاملة.



